ابن الجوزي
74
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
عليّ ، قالوا الباطل . قال الملك : فاحتكم في خصلتين فإنك مجاب إليهما وإني قاتلك ، قال : ولا بد من قتلي بقول هؤلاء ؟ قال : لا بد من ذلك ، قال : فإنّي أحكم أن أضرب رقبة الملك بمدقتي هذه ، قال له الملك : يا جاهل ، لو حكمت بما يجدي على من تخلف كان أصلح لهم . قال : ما أحكم إلا بضربة لرقبة الملك . فقال الملك لوزرائه : ما ترون فيما حكم به هذا الجاهل ، قالوا : نرى أن هذه سنة أنت سننتها ، وأنت تعلم ما في نقض / السنن من العار والبوار وعظيم الإثم ، ومتى نقضت سنّة نقضت أخرى ثم أخرى ، ثم يكون ذلك لمن بعدك كما كان لك ، فتبطل السّنن . قال : فاطلبوا لي القصّار أن يحكم بما شاء ويعفيني من هذه ، فإنّي أجيبه إلى ذلك ولو بلغ شطر ملكي . فطلبوا إليه ، قال : ما أحكم إلا بضربة في رقبته ، فلما رأى الملك ما عزم عليه القصّار عقد [ 1 ] له مجلسا عاما ، وأحضر القصار وأبدى مدقته فضرب بها عنق الملك ضربة أزاله [ عن موضعه ] [ 2 ] ، فخر الملك مغشيا عليه ، فأقام ستة أشهر عليلا [ 3 ] ، وبلغت به العلة حدا كان يجرع فيها الماء بالقطن . فلما أفاق وتكلم ، وطعم وشرب سأل عن القصار ، فقيل له : إنه محبوس ، فأمر بإحضاره ، وقال : قد بقيت لك خصلة فاحكم فيها فإنّي قاتلك لا محالة . فقال القصار : فإذا كان ولا بد فإنّي أحكم أن أضرب الجانب الآخر ضربة أخرى ، فلما سمع الملك بذلك خرّ على وجهه من الجزع ، وقال : ذهبت والله إذا نفسي . ثم قال للقصار : ويلك دع عنك ما لا ينفعك ، فإنه لن ينفعك [ 4 ] ما مضى فاحكم بغيره أنفذه لك كائنا ما كان ، قال : ما راحتي إلا في ضربة [ 5 ] أخرى . فقال الملك لرؤسائه ووزرائه : ما ترون ؟ قالوا : تموت على السنّة ، قال : ويلكم والله إنه إن ضرب الجانب الآخر لم أشرب الماء البارد أبدا ، لأني أعلم بما قد مرّ بي . قالوا : فما عندنا حيلة .
--> [ 1 ] في الأصل : « قعد » . [ 2 ] ما بين المعقوفتين : سقط من الأصل ، وأثبتناه من ت . [ 3 ] في ت : « فأقام وقيذا ستة أشهر » وفي الأصل : « عليل » وهو خطأ . [ 4 ] في ت : « لم ينفعك » . [ 5 ] في ت : « لا راحتي إلا بضربة أخرى » .